جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
الدراسات والبحوث
أثر المتغيرات المعاصرة في الأحق بالحضانة
  :  الثلاثاء 28 جمادى الأولى 1437 - 2016-03-08  

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
في المجلة القضائية العدد الخامس لعام 1434هـ الصادرة من وزارة العدل قد قام كل من الدكتور علي بن راشد الدبيان قاضي الاستئناف المندوب للمجلس الأعلى للقضاء ورئيس تحرير مجلة العدل والدكتورة هالة جستنية أستاذ مشارك بجامعة أم القرى –وكيلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي والأستاذ عبد الله بن ربيق الباحث في الشؤون الشرعية بالمشاركة بورشة عمل تحريرية عن أثر المتغيرات المعاصرة في الأحق بالحضانة وسيتم تلخيص بنقاط على أربعة أجزاء.

ابتدأ الأحق في حضانة المحضون وهي كما يلي:

أحاطت الشريعة الإسلامية الطفولة بتشريعات تحفظها وتحميها وترعاها بما لا يوجد مثيل لها في التشريعات الأخرى ومن أهم هذه التشريعات ما يتعلق بالحضانة وأحكامها وقد جاءت أحكام الحضانة في الإسلام موافقة للفطرة الإنسانية التي تحفظ للطفولة حالها روحا وفكرا وجسدا .

الحضانة: هي حفظ من لا يستقل بأموره وتربيته بما يصلحه .

وحضانة الطفل تكون للأبوين إذا كان النكاح قائما بينهما فإن افترقا بموت الأب أو الطلاق فالحضانة لأم الطفل اتفاقا.لما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت :يا رسول الله إن ابني هذا كانت بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم (أنت أحق به ما لم تنكحي).

فإن امتنعت الأم عن الحضانة أو تزوجت أو ماتت انتقل الحق الى غيرها وقد اختلف الفقهاء في ترتيب مستحقي الحضانة عد الأم إلا انه في الجملة يقدم النساء على الرجال لأنهن أشفق وأرفق وأهدى إلى تربية الصغار .

وإليك ذكر المذاهب على وجه الاختصار :

الحنفية: تقدم الأم ثم أم الأم ثم أم الأب ثم الأخوات وتقدم الأخت من الأم والأب ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب ثم الخالات ثم العمات فإن لم يكن للصبي امرأة من أهله تستحق الحضانة واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيبا فيقدم الأب ثم الجد ثم الأخ .

المالكية: وذهبوا إلى أن الأحق بعد الأم :أم الأم وان علت ثم الخالة ثم خالة الأم ثم عمة الأم ثم الجدة من جهة الأب وتشمل: أم الأب وأم أمه وأم أبيه ثم الأب ثم الأخت (أخت المحضون)ثم عمة الأب ثم خالة الأب ثم بنت أخ المحضون ثم بنت أخته ثم الوصي..الخ.

الشافعية: ويرون أن الأحق بالحضانة بعد الأم:إذا كان الحواضن إناثا فقط: أمهات الأم الوارثات فتقدم القربى فالقربى ثم أم الأب ثم أمهاتها المدليات بالإناث ثم أم أبي الأب ثم أم أبي الجد ثم الأخوات ثم الخالات هذا على الجديد من مذهب الشافعي وتثبت الحضانة لكل ذكر محرم وارث على ترتيب الإرث فيقدم أب ثم جد ثم أخ شقيق وهكذا وان اجتمع ذكور وإناث قدمت الأم ثم أم الأم وان علت ثم الأب وقيل تقدم عليه الخالة والأخت من الأم أو الأب أو هما . وبقدم الأصل الذر والأنثى وان علا على الحاشية من النسب كأخت وعمه لقوة الأصول فإن فقد الأصل وهناك حواش فالأصح ان تقدم من الحواشي الأقرب فالأقرب ذكرا كان أو أنثى وان استووا في القرب فالأنثى مقدمة على الذكر كأخ وأخت .

الحنابلة: وقد ذهبوا إلى إن الأحق بالحضانة بعد الأم أمهاتها القربى فالقربى ثم الأب ثم أمهات الأب ثم الجد ثم أمهات الجد ثم الأخت ثم الخالة ثم العمة ثم بنات إخوته وبنات أخواته .

صياغة الأحكام متوائمة مع ظروف الحاضنة

جاءت امرأة إلى النبي الهادي –صلى الله عليه وسلم- قائلة: إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وإن أباه زعم أن ينزعه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت أحق بهم الم تنكحي)..رواه ابو داود وغيره والناظر في حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالحضانة هنا للمرأة يجده لاحظ أمرين أساسيين:

الأول: حق الأم في حضانة ابنها تقديرا لمقامها الجليل وما قدمته له مما يجعلها أحق الناس به

والثاني: مصلحة الابن المحضون وتوفرها دون معارض مؤثر وإذا ادركنا هذا المعنى في الحكم النبوي الشريف تمكنا من تقدير مختلف المتغيرات والتحولات التي تعرض لكل عصر حتى وقتنا الحاضر والذي استجدت فيه المشكلات والمعوقات أنواع لم تكن معروفة في أنظمة وأوضاع الحياة البشرية من قبل، كما حدث فيه تحولات ومتغيرات مؤثرة حتى على موجب الأحكام القضائية في أحوال الحضانة فالسفر في السابق كان مكلفا وشاقا بدرجة جعلت الفقهاء –رحمهم الله- يجعلون تبعته لا تحمل على الطفل المحضون ولا يلزم بالتنقل من حاضنه ومكان إقامته الى مكان آخر حتى لو ترتب على ذلك حاجة أو مصلحة للحاضن وتناولت بحوثهم تحديد ذلك بمسافة القصر على اختلافهم في مقدارها ولكن مع سهولة السفر والتنقل في هذا العصر ووجود وسائل سريعة ومريحة للتنقل والسفر فإن الحكم يختلف كون الأحكام تدور مع العلل وتستبع وجودها وتوفرها فالحكم يدور على علته وجودا وعدما والسلطة تقديرية هنا للحاكم الشرعي حسب اختلاف الأوضاع والأشخاص والأحوال والظروف ومثل ذلك حالة الازدحام الشديد في المدن المكتظة بالبشر بما يبلغ الملايين حاليا مما لم يكن معروفا في أزمنة سابقة وترافق ذلك مع زيادة نسب التلوث وتراكم السيارات ووسائل النقل في الطرقات مما يسبب اختناقات مرورية ضخمة ويزيد من احتمالات الخطر على المحضون وكذا تغير أنماط الحياة ودواعيها لدى الناس مما يجعل الاختلاف والتأثير شاملا حتى للوقت ليلا ونهارا مما له أثره المباشر على الحكم القضائي في مسائل الحضانة وتقديره لخطورة هذه الظروف وتناسب الأحكام مع مصالح الحاضن والمحضون في أوقات وظروف وأوضاع التنقل داخل المدن المزدحمة بل وحالة التوائم والعيش في مثل هذه البيئات وأوقات الحركة فيها اذ إن خروج المحضون يجب أن يكفل عدم تأثره سلبا بهذه الأحوال والأوضاع واستطرد ايضا مع المتغيرات الحديثة في الأعمال وانشغال الحاضن بها عن المحضون وخصوصا عمل المرأة وظروفها وأوضاعها وأوقاتها وانتقل لمتغيرات الحياة المعاصرة في الجوانب الصحية والنفسية وتأثير ذلك على أساليب التعايش وأخلاقيات الناس ومراعاة حجم المخاطر السالبة على الحضانة ومصالح المحضون وبكل المقاييس فإن الأحكام القضائية الشرعية التي تستوحى من حكم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في موضوع الحضانة آنف الذكر المراعي لمصالح المحضون وتوائمها مع حقوق الحاضنة نهجا تستلهم منه المسار الرشيد الذي يلاحظ هذه المعاني السامية بكل دقة مما يجعل من أهم المهمات تقدير الأحكام القضائية لهذه الحقوق والمصالح واعتبار سد الذرائع وآثار المألات بما يجعله مسؤولا مسؤولية مباشرة أمام الواجب الاجتماعي في هذا الجانب المهم من حقوق الناس في خصوص ملاحظة ذلك واعتباره وتقديره وصياغة الأحكام مراعية لكل تلك المتغيرات ومتوائمة مع ظروف الحاضنة بما يكفل عدم الإخلال بمصلحة المحضون وحقوقه وتحقق منافعه دون تأثير سلبي عليها والمتغيرات في أنماط الحياة وظروفها مقدر معتبر شرعا وله حظ وافر من النظر القضائي الشرعي الرشيد.

أثر الإقامة والسفر في الأحقية بالحضانة

لكل من الأبوين حقا في المحضون فللأم حق حضانته وللأب حق رؤيته ورعايته والإشراف على تربيته وتأديبه. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان الحاضن مقيما في بلد الأب أو الولي هذا قدر مشترك بين المذاهب وهو ما صرح به الحنفية وتدل عبارات المذاهب الأخرى.

إلا أن هذين الحقين يصطدمان عندما يعرض لأحد الوالدين –الحاضن-الرغبة في السفر بالمحضون مما يسبب مشكلا عند امتناع الطرف الآخر و لذلك تكلم فقهاؤنا حول هذه المسألة.

وفي ظل تطور وسائل المواصلات فإن الحاجة تمس إلى دراستها وأثرها على الحضانة.

وحاصل الأمر: أن حكم الفقهاء يختلف حسب نوع السفر ومسافته وحسب الحاضن وحاله الأمر الذي يتطلب من القاضي المختص بالنظر في مثل هذه المسائل أن يكون ماما بأقوال الفقهاء ويكون هدفه هو الأصلح للمحضون.


السفر للحاجة كالحج والتجارة والنزهة:

إذا أراد الأبوين السفر لحاجة ثم يعود كحج وتجارة فالمقيم من أبويه أحق بحضانته وإن طالت مدة السفر عند الشافعية ورواية عن الحنابلة لأن في السفر أضرارا بالصغير ويتجنب هذا الأضرار ببقائه مع المقيم .

وذهب الحنابلة-في الرواية الثانية-إلى أن الأم تسقط حضانتها في المدة التي تسافر فيها وتنتقل إلى الأب فان عادت من السفر عاد حقها في الحضانة .

وعند المالكية: إن كان سفر احدهما –الحاضنة أو الولي-لتجارة أو زيارة فلا تسقط حضانة الأم بل تأخذه معها إن سافرت ويبقى معها إن سافر الأب لأن "تقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم" والحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على أحوال الطفل –من كثرة البكاء والتضجر وغيرهما من الهيئات العارضة للصبيان والى مزيد الشفقة والرقة الباعثة إلى الرفق به فخصت بالنساء غالبا لأن علو همة الرجل تمنعه الانسلاك في أطوار الأطفال وملابسة الأقذار وتحمل الدناءة .

السفر للانتقال والسكنى الدائمة

إذا أراد أحد الأبوين النقلة إلى بلد بعيد ليسكنه فقد اختلف العلماء على النحو التالي:

القول الأول وبه قال الحنفية: ليس للأب أن يسافر بالولد حتى يبلغ الصغير حد الاستغناء لان في انتقاله أضرارا بالأم بإبطال حقها في الحضانة أم الأم فلها السفر والانتقال بالمحضون إلى بلد آخر لتقيم فيه إقامة دائمة بشروط وهي :

1-    أن يكون البلد الذي انتقلت إليه وطنها .

2-    أن يكون الزوج قد عقد نكاحه عليها في هذا البلد لأن المانع من السفر اصلا هو ضرر التفريق بين الأب وبين ولده وقد رضي به لوجود دليل الرضا وهو التزويج بها في بلدها لان من تزوج امرأة في بلدها فالظاهر انه يقيم فيه والولد من ثمرات النكاح فكان راضيا بحضانة الولد في ذلك البلد وكان راضيا بالتفريق.

3-    الا يكون خروجها بالمحضون من مصر جامع الى قرية –ولو قريبة-الا اذا وقع النكاح في تلك القرية.

4-    الا يكون المكان الذي انتقلت اليه دار خرب اذا حرب اذا كان الزوج مسلما أو دميا لما في ذلك من اضرار بالصبي لأنه يتخلق بأخلاق الكفار .فإن تحققت هذه الشروط جاز لها السفر بالمحضون الى هذا المكان البعيد .

القول الثاني –وبه قال جمهور العلماء من المالكية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة وقضى به شريح: الأب أحق بالحضانة سواء أكان هو المنتقل أو الأم وذلك لما يلي:

1-    إن الشريعة الاسلامية جاءت بتحصيل أعظم المصالح وهو كونه مع أبيه مصلحة متأبدة وكونه مع أمه مصلحة مؤقتة تزول عن قريب ومراعاة المصلحة المتأبدة أولى "

2-    الاحتياط للنسب فإن النسب يحفظ بالآباء وهو الذي يقوم عادة بالتأديب والتعليم والصيانة والقيام بنفقته ومؤنته فإذا لم يكن ببلد أبيه ضاع.

القول الثالث –وهي رواية عن الإمام أحمد: إن كانت الأم مقيمة فهي أحق ويمكن أن يستدل لذلك بأن النظر في الأحظ للصغير ورعاية لمصلحته في عدم المسافرة به.

القول الرابع : المقيم منهما أحق ويمكن أن يستدل له بأن في المسافرة بالولد إضرارا به.

 

مسافة السفر والانتقال التي تسقط الحضانة:

اختلف الفقهاء في حد المسافة التي يحصل بها حكم التفوق وتسقط بها الحضانة على ثلاث أقوال:

القول الأول: شرط مسافة سفر كل من الولي الذي يأخذ المحضون فيه وسفر الحاضنة الذي يسقط حضانتها بنزعه منها: أن يكون ستة برد فأكثر على المعتمد عند المالكية.

وإنما سقطت الحضانة بهذا السفر لأنه يشق على الأب تكرره لمطالعته ابنه.

وما دون ستة برد ليس له حكم السفر وإنما له حكم الحضر ولا يشق على الأب مطالعة ابنه فيه غالبا.

القول الثاني-وهو الأصح عند الشافعية: انه لا فرق بين السفر الطويل والقصير في سقوط حضانة الأم اذا أراد أحد الأبوين سفر نقلة.

القول الثالث: الصحيح من المذهب عند الحنابلة التحديد بمسافة القصر وهو قول عند الشافعية لأنها المسافة التي تتغير بها الأحكام. 

القول الرابع: المنصوص عن الإمام أحمد –رحمه الله-:أنه ما لا يمكنه العود منه في يومه.

إذا تأملت المسافة التي تنزع عندها الحضانة تجد أن معيار البعد عن بلد الأب الذي وضعه الفقهاء على اختلاف عباراتهم –سوى الشافعية-هو : الذي يمنع الأب من رؤية ولده وتأديبه وتعليمه ومراعاة حاله . فأشبه مسافة القصر التي تتغير بها الأحكام نظرا لمصلحة الصغير.

وقد راعى الفقهاء في وضع هذا المعيار أمرين كانا في ومانهم:

الأول : وسائل الانتقال والصعوبات التي تعترضها.

الثاني : أن السفر ليلا غير مأمون العاقبة.

أما الآونة الحاضرة فلا بد من احتساب القرب والبعد عن البلد الأب بالنظر إلى التطور الموجود في وسائل المواصلات على اختلاف أنواعها  لا بالنظر إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام أو ركوب الدواب كما يجب اعتبار الليل كالنهار إذ لم يعد الليل مانعا من السفر لاستتباب الأمن وإضاءة الطرق .

وهذا يؤدى إلى القول :إن الأب إذا كان يستطيع الذهاب إلى البلد التي تنتقل إليها الأم بالصغير بوسائل المواصلات الموجودة الآن والعودة نهارا أو ليلا في اليوم ذاته فإن البلد يكون قريبا فإذا لم يستطيع ذلك البلد بعيدا مع الأخذ في الاعتبار مقدرة الرجل على تحمل نفقات السفر لرؤية ولده .

وهنا أذكر أهم النتائج فمنها :

الصواب : أن الأحقية بالحضانة في هذه المسألة ترجع إلى النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو السفر فإيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ –روعي.

بيان ذلك:

أولا: إذا كان السفر قريبا فله حكم الإقامة ولا يؤثر في أحكام الحضانة ما لم يكن لهذا السفر مفسدة أو ضياع مصلحة للصغير كما لو كان يعلمه القرآن أو الحرفة وهما ببلد لا يقوم غيره مقامه فإن ثبت تأثير السفر –يمنع سفر الصغير، ويسلم إلى الطرف الآخر.

ثانيا: إذا كان السفر لحاجة فالأم أحق به إذا أمنت الطريق والبلد.

ثالثا: إذا كان السفر سفر نقلة إلى مكان بعيد بقصد السكنى والإقامة وقلنا :إن الأحق به هو الأب فليس له أن يسافر والولد إلا بعد التحقق من تأمين مصلحة الصغير وذلك بأن يكون البلد الذي ينتقل إليه الحاضن آمنا والطريق إليه آمنا وألا يقصد الأب بالانتقال مضارة الأم وأن يكون قد استوطن الموضع الذي رحل إليه.

والنظر في مثل هذه المسائل يجب أن يكون للقاضي الملم بأقوال الفقهاء ويكون هدفه هو الأصلح للمحضون فقد يكون الحق للأم أو للأب كما ذكرنا.

هذا الموضوع أصبح مشكلة تحتاج إلى ضابط ينهي الخلاف

الأسرة هي اللبنة الأولى التي يقوم عليها المجتمع وباستقرارها تقوى رابطة الصلة بين الأسرة التي تكون مجتمعنا المسلم وقد اهتم الدين الإسلامي بهذا التكوين الأسري من لحظة التفكير بالارتباط بالزوجة إلى أن يتم هذا الارتباط وبين الأحكام التي يقوم عليها هذا البناء الأسري في كل الأمور المعيشية وحتى بعد رابطة الزواج وما يتبعها من خلافات بين بعض الأسر لكي تعود إلى الاستقرار والأمان  الذي يحفظ الأبناء من التأثير النفسي والعاطفي الذي يتبع هذه الخلافات ومن أهم هذه الأمور حضانة الأطفال بعد الانفصال وهنا سنتناول هذا الموضوع من ناحية المؤثرات الحالية في الحضانة وتغيير الزمان وأحوال الناس في هذا العصر الذي تميز بالسرعة والتطور المذهل في كل مجالات الحياة .

اولا تعريف الحضانة:

في اللغة : بفتح الحاء المهملة- مصدر حضنت الصبي حضانة :تحمّلت مؤونته . الحضانة : التي تربي الطفل سميت بذلك لأنها تضم الطفل إلى حضنها .

في الاصطلاح: حفظ صغير ومجنون ومعتوه –وهو المختل العقل- عمّا يضرهم وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل رأس الطفل وبدنه وثيابه ودهنه وتكحيله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحو وهي واجبة كالإنفاق عليه ومستحقها رجل عصبة أو امرأة وارثة أو مدلية بوارث كالخالة وبنات الأخوات أو مدلية بعصبة كبنات الإخوة والأعمام وذوي رحم غير من تقدم وحاكم.

ثانيا: أولى الناس بالحضانة:

أولى الناس بحضانة الطفل ونحوه أمه مع أهليتها وحضورها وقبولها ولو بأجرة مثلها كالرضاع وهذا معتمد بلا ريب.

واتفق الأئمة الأربعة على أن الحضانة للأم لأنه لا يقوم مقامها في مصلحة الطفل أحد فإن الأب لا يتولى الحضانة بنفسه وإنما يدفعه إلى امرأته وأمه أولى من امرأة أبيه فلو امتنعت الأم عن الحضانة لم تجبر وانتقلت إلى من بعدها.

والحضانة لأمه مالم تتزوج بأجنبي فمتى تزوجت ودخل بها الزوج سقطت الحضانة وهذا المعتمد في المذهب الحنبلي وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وحتى قال ابن المنذر: وأجمع على هذا كل من حفظ عنه من أهل العلم وقضى بهش ريح.

وبعد أن استعرضت التعريف والأحكام التي وردت حول الحضانة في المذاهب الأربعة فسوف نتناول هذا الموضوع في ظل المتغيرات المعاصرة ومستجدات عصرنا الحاضر الذي تغيرت فيه الأماكن والأزمنة وتطورت فيه الحياة وأساليب التربية وكما هو معروف أن الشريعة الإسلامية تناسب كل زمان ومكان وأن الأحكام المبنية على العرف والعادة تتغير بتغير الأزمان .

جاء في درر الأحكام شرح مجلة الأحكام:  ( إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس وبناء على هذا التغير يتبدل-ايضا-العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لا تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير ). وقال العلامة ابن القيم –رحمه الله: ( فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها).

وعليه سوف أبين رأيي في الموضوع الذي كثر فيه التنازع والتخاصم بين الأسرة بل إن أكثر القضايا المعروضة على المحاكم هي قضايا الأحوال الشخصية وهذا يدل على أن هذا الموضوع أصبح مشكلة تحتاج إلى ضابط ينهي الخلاف والنزاع بين الأسرة وذلك بوضع نظام يتقيد فيه جميع القضاة مع اختلاف في بعض الحالات التي تحتاج الى حمن خاص بها ومن هذه الضوابط التي أرى انه تنهي التنازع والتخاصم في قضايا الحضانة ومن أهمها:

أن تكون الحضانة في يد الأم حتى بعد بلوغ الصغير أو الصغيرة سن التمييز والتركيز على قاعدة(الحضانة لمصلحة المحضون) فليس كل ابن يخيّر وليست كل بنت تذهب لوالدها عندما تكبر والواجب هو التركيز على هذه القاعدة وانني أرى أن المصلحة للمحضون تكون غالبا مع امه وكما جاء في الأثر: (ريحها وشمها ولطفها خير له منك) بل إن هنالك من الفقهاء من يعطي الحضانة للأم وإن كانت (فاسقة) لهذا الاعتبار ولأن الطفل الصغير لن يتأثر بأمه لأنه صغير لا يميز إضافة إلى أن الأم لن تضر بصغيرها ولن تؤثر عليه بما يفسد أخلاقه.

وعليه فإنني أرى أن مصلحة المحضون تكون في أغلب الأحوال مع أمه إلا أن تكون عاجرة عن حضانته

(كأن يكون بها مانع شرعي) أو تتزوج برجل أجنبي والأصل فيه ما روى  عبدالله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه: ( أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وأن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي) رواه أبو داود. وهذا الحديث قد يخص حالة معينة خاصة أن النساء في الزمن القديم تهتم كثيرا بالزوج والبيت وتحتاج الى مهود كبير من أجل خدمة بيتها فتترك المحضون ولا تهتم به أما في عصرنا الحاضر فالحياة تيسرت وسهل أمر العيشة فيها وتفرغت الأم لابنها فليس لديها ما يشغلها خاصة إذا لم تكن موظفة وهذا ما جعل البعض يرى في هذا الزمان أن الزواج من رجل آخر يجب ألا يكون مانعا من الحضانة خاصة اذا وافق والد المحضون وايضا وافق الزوج بشرط أن يرعى المحضون ويهتم به لأن القاعدة تؤكد على مصلحة المحضون.

وسبب اختياري لحضانة الأم دون الأب في أغلب الحالات ما يلي:

1-    الأم أكثر شفقة وحنانا واهتماما ورعاية بالمحضون.

2- هي أقدر بالحضانة من الأب الذي لن يرعاه بل سوف يعطيه لامرأته أو غيرها لرعايته وأم المحضون أولى به من أي امرأة أخرى.

3-   أن انتقال المحضون ولدا كان ام بنتا من بيت أمه الى بيت أبيه بعد بلوغه سن السابعة أو انتقال البنت الى بيت أبيها يسبب لها الكثير من المشاكل النفسية وآلام الفراق.

4-  الأب عادة ينشغل في عمله كثيرا وفي مصادر رزقه في الحياة ويترك الطفل لدى زوجته مما قد يعرضه للتعذيب والإهانة وهذا ينعكس على نفسيته واستقرار شخصيته.

5- الأم تعاني الكثير وتتألم لفراق صغارها وقد تكون وحيدة وتحتاج الى وجودهم بجانبها بل إن كثيرا من المطلقات تنازلن عن النفقة والسكن من أجل أن يترك الأطفال معهن.

6- والشرط الذي يمكن فرضه على الأم أن تربي الطفل المحضون أحسن تربية وتعليمهم التعليم الشرعي.

7- على الأم الحاضنة ان تسمح للأب بالزيارة المتكررة والمستمرة لأولاده ليساعدها في تربيتهم والعناية بهم .

كما أرى ان الأم إذا لم تستطع حضانة الطفل أو الطفلة لأي سبب وليكن مثلا الزواج من زوج لا يريد أولادها فإنني أرى أن تنتقل الحضانة إلى أمها (الجدة من الأم) وذلك لكي يكون قريبا من والدته أمه وهي بمثابة أمه وأحرص على رعايته من غيرها.

ومن أهم التوصيات انه يجب عند النظر في القضايا المتعلقة بالحضانة أن يكون البحث عن مصلحة المحضون هو الأصل عند النظر في القضية مع مراعاة ما ذكره الفقهاء.

هذا ونسأل الله التوفيق والسداد.

أصل المادة في المرفقات ..

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك