جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
الدراسات والبحوث
التقعيد لمكانة المرأة في الإسلام وفلسفة اختلافها عن الرجل 3 / 3
  :  12/8/2014

في الحلقة الأولى كان حديث د.سعد بن مطر العتيبي عن قواعد عامة تبيِّن مكانة المرأة في الإسلام, وتتلخص في:

تأكيد المساواة بين المرأة والرجل في الإنسانية, وأنَّه لا فرق بينهما في ذلك بأي حال؛ و أنَّ أحكام الإسلام المتعلقة بالجنسين تنطلق من مبدأ العدل؛ وأنَّ الإسلام بيّن حقوق المرأة المهضومة بياناً عملياً تطبيقياً.

وفي الحلقة الثانية تمت الإجابة على سؤال طالما طرحه أدعياء تحرير المرأة نقلا عن المستشرقين، وهو: لماذا ترث المرأة أقل من الرجل إذا كان لها مقام كبير في الإسلام؟ وانطلق الجواب عنه من عدم التسليم بإطلاق هذا الحكم دون معرفة لواقع نظام الإرث في الشريعة الإسلامية, وأنَّه سؤال مبني على معلومات مبتورة وأفكار خاطئة وتصورات ناقصة, وأنَّ المرأة يختلف إرثها عن الرجل في حالات, وتتفق معه في حالات, وتزيد عليه في حالات, وتنقص عنه في حالات! وتم بيان ذلك في نقاطٍ مهمّة تكشف الفلسفة الشرعية العظيمة لهذه الأحكام.

وفي هذه الحلقة يذكر تلبيساً آخر والجواب عنه, إذ يثير بعض من لا معرفة له بالأحكام الشرعية وفلسفتها, السؤال التالي:
لماذا لا يكفي شهادة امرأة واحدة كالرجل؟
والجواب على هذا التلبيس يشبه الجواب عن سابقه, وبيانه فيقول:

إن هذا سؤال قاصر, لأنَّه مبني على فهم غير مستوعب لأحكام الشهادة؛ فالشهادة أحد طرق الاستيثاق والإثبات, ولها منظومة من الأحكام التي تكشف عن فلسفة تشريعية تتفق مع منظومة الأحكام الشرعية في بقية فروع القانون الإسلامي. ويمكن كشف شيء من ذلك من خلال النقاط التالية:
النقطة الأولى: يجب أنَّ يُعلم أنَّ الشهادة ليست حقاً, فلو أُعفيت المرأة منها بالمرّة, لما كان في ذلك انتهاك لحق من حقوقها. بل إنَّ في ذلك رفقاً بالمرأة, وإبعاداً لها عن أسباب الخصومة, لتتفرغ لرسالتها العظمى في الحياة, دون التزامات أو قلق نفسي.

بيانه: أن الشهادة تكليف يأثم من كتمه: ﴿  وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ]البقرة: 283], وتخفيف الشريعة للتكاليف عن المرأة رحمة بها, وإكرام لها؛ لأنَّ التخفيف من الأعباء فيه راحة للمرأة, ورفع مشقة عنها, ولا سيما أنَّ الشهادة كثيراً ما تعقبها نتائج سيئة على الشاهد وسمعته, وقد تُعَرِّضه لآلام معنوية قد تسبِّب له عقداً نفسية, وخاصة إذا كان رقيق القلب, قويَّ العاطفة, شديد الحساسية من النقد, كغالب جنس النساء, وهذا ملحوظ في من هذه حاله حتى من الرِّجال. ومن الملاحظ أنَّ الرجال ربما تهرَّبوا من الشهادة لتبعاتها, ولكن لا بد من إحقاق الحقوق, ولذلك جاء النهي الواضح: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ]البقرة: 282]؛ و مسؤولية يتهرب منها الرجال, ما قيمة ملاحقة المرأة لها!

كما أنَّ الشاهد عرضة للمضارّة, وإساءة الآخرين له؛ والإساءة للمرأة أثقل منها للرجل, و للقارئ أن يتخيل أماً أو زوجةً أو أختاً أو بنتاً يلاحقها أصحاب الحقوق لتدلي لهم بشهادة في حقوق غيرها, وكيف تكون نظرة الأب أو الزوج مثلا إلى نسائه وهن يذهبن في مصالح الآخرين, بينما يتركن مصالح بيت الزوجية, أو يدعن الرّضَّع والصغار القصر بين يديه, وهي المهام التي تتولّاها عامة نساء العالمين, ويشهد بأهميتها كبار العقلاء من مثقفي الأمم! كما لا يخفى على من له اطلاع في ذلك.

والنقطة الثانية: أنَّ شهادة النساء أنواع:
نوع تقبل فيه النساء منفردات, ويمثل له الفقهاء: بما لا يطّلع عليه غيرهنّ, و يعبِّر عنه بعضهم, بـ: ما لا تجوز فيه إلا شهادة النساء, كالولادة والبكارة, وعيوب النساء, ونحو ذلك. وأحيانا ربما يكتفى بشهادة امرأة واحدة, كالولادة إذ تقبل فيها شهادة قابلة واحدة, وكذلك الرضاع. كما تقبل شهادة النساء منفردات في صور أخرى, منها: شهادة النساء في الوصية إذا لم يحضرها إلا النساء.

ونوع تقبل فيه شهادتهن مع الرجال, ويدخل فيه المسألة محلّ التلبيس.
ونوع تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة في مقابل شهادة الرجل الواحد سواء بسواء, بنصِّ القرآن الكريم, في قوله سبحانه: فى شهادات اللعان - التي تطلب في حال قذف الرجل زوجه مع عدم وجود شهود: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ]النور: 6، 9], وهي من القضايا التي يستبعد أن تضل فيها المرأة.

ونوع لا تقبل فيه شهادة المرأة, ويشمل القضايا الجنائية, ومسائل الحدود والقصاص.

وهذا له فلسفة متشعِّبة؛ تساهم في تجنيب المرأة مشكلات كثيرة, وربما تبعات خطيرة, ومجالات مقلقة للرجال الأشدّاء, فضلا عن النساء الرحيمات, وإغلاق باب الانتقام من المرأة وما دونه من الأذى الذي قد يلحق بها بسبب شهادتها في قضية جنائية, ويزداد الأمر سوء في نظرة المجتمعات القبلية, التي تعيِّر رجالها بالانهزام أمام النساء, مما يؤدي إلى تصرفات غير محمودة العواقب, والحق أنَّ هذا الطبع موجود حتى في مجتمعات توصف بالتحضّر والحضارة! كما أنَّ فيه ضمانا لحق المدّعى عليه, لأنَّ شهادة المرأة في مثل هذه المجالات مع احتمال خطئها في التعبير عن وصف واقعة بشعة قد لا تتماسك المرأة أثناء التعبير عنها, إن كانت قد استطاعت البقاء لمشاهدتها وإكمال التفرج عليها أصلاً, وكذلك يرد احتمال إكراهها ولو عاطفياً, بالشهادة مجاملة لزوج أو قريب, مع ما هو مشتهر من ظلم المرأة في كثير من المجتمعات - كلّ ذلك يشكِّل شبهة, يَدرأ بها الشرع العقوبة.

والنقطة الثالثة: أنَّ معيار الشهادة عند الفقهاء يجمع ثلاثة أوصاف:

أولاها: العدالة بأن يكون الشاهد مؤمنا صالحا.

وثانيها: نفي التهمة وإن كان الشاهد عدلا كأن لا يكون بينه وبين المشهود عليه خصومة.

وثالثها: التيقظ, بمعنى أن يكون الشاهد ضابطا لما شهد به فلا يلقِّنه الآخرون أو لا يعي المطلوب في الشهادة؛ وهذا المعيار ليس فيه ذكر للذكورة أو الأنوثة؛ ومما يؤكِّد ذلك – أيضاً - أمور منها:

قبول شهادة النساء في مسائل عديدة, كما في الأمثلة السابقة. بل والإجماع على قبول شهادتها في موضوعات خاصة. وكذلك قبول شهادتها مفردة في عدد من القضايا.

أن هذا المعيار ذاته, هو الذي راعاه الشارع, كما في قول الله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى, فالمعنى: أن تذكِّر إحداهما الأخرى إن ضلَّت, أي أخطأت لعدم ضبطها؛ فتكون شهادة إحداهما متممة لشهادة الأخرى. قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في معنى الآية: "فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل, إنّما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت, وهذا إنَّما يكون فيه الضلال في العادة, وهو النسيان وعدم الضبط, وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل" (رواه مسلم)... فما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة, لم تكن فيه على نصف رَجل, وما تقبل فيه شهادتهن منفردات: إنَّما هي أشياء تراها بعينها, أو تلمسها بيدها, أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل, كالولادة, والاستهلال, والارتضاع, والحيض, والعيوب تحت الثياب, فإنَّ مثل هذا لا ينسى في العادة, ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل, كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدّين وغيره, فإنَّ هذه معان معقولة, ويطول العهد بها في الجملة" (نقله عنه ابن القيم في الطرق الحكمية: 161(.

ومما لحظه العلماء: أنَّ الأمور التي تكون شهادة المرأة فيها في مقابل نصف شهادة الرجل, هي في الغالب من الأمور التي ليس من شأن المرأة الاشتغال بها, كالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات, فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة, لقلة اشتغالها بها, بينما تكون قوية الحفظ والضبط, في الأمور المنزلية التي هي شغلها الأنسب, فإنها أقوى ذاكرة من الرجل, وذلك أنَّ من طبع البشر ذكراناً وإناثاً أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.

أنَّ الأحكام الشرعية تبنى على الغالب, ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ من المعلوم أنه لا يزال أكثر النساء, لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات, واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصل الذي تقضي به طبيعة المرأة في الحياة. وهذا أمر ملحوظ حتى في القوانين الوضعية الحديثة, فإنَّها تنظر إلى الغالب, ولا تعتد بالمسائل النادرة. وإلا ففما لا شك فيه أنه يوجد بعض النساء أعقل وأتقن وأضبط, من بعض الرجال, ولكن ليس هذا هو الأصل ولا الأكثر؛ والشريعة مبناها على الأعم الأغلب, أي أنَّ المسائل تأتي بقواعد تراعي حال الأغلبية من الناس, وليس الحالات القليلة, ولا النادرة. وللمرأة طبعها الخلقي, واختصاصها الوظيفي, فمن أسباب ذلك قلة خبرة المرأة في هذه الأمور كما سبق بيانه, إضافة إلى ما ميزها الله تعالى به من العاطفة التي تناسب وظيفتها في الحياة, ورقة المشاعر مهما بلغت درجتها في التعليم والثقافة؛ والفروق بين الذكور والإناث لا ينكرها إلا مكابر.

أنَّ الآية السابقة جاءت في بيان حكم توثيـق عقـد من العقـود الماليـة, بـ (الاستشهاد), الذي يقوم به صاحب الدَّيْن للاستيثاق, حفاظاً على دَيْنه, أي أنَّ الآية تخاطب صاحب الحق (الدَّيْن), فليست عن (الشهادة) التى يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين؛ ومن هنا فهذا الحكمإذاً - لا يضع معياراً عاماً لشهادة المرأة؛ فالشهادة لها معايير أخرى تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة وهي ما سبق ذكره.

أنَّ شهادة الرجل ليست مقبولة على كل حال, فقد يتطلب الأمر إحضار من يزكيه, ليشهد بعدالة الشاهد وضبطه, ونفي التهمة عنه, فلم يكف كونه رجلا أن تقبل شهادته دون مزيدٍ من التحري عن أمانته وضبطه؛ بل إنَّ أي خلل في ذلك يضعف الشهادة, وقد يتسبب في ردِّها.

النقطة الرابعة: أنَّ فلسفة التشريع الإسلامي تراعي أموراً عديدة, للوصول إلى إثبات حقٍ أو نفيه, ولذلك فالبيِّنة في علم القضاء هي ما أبان الحق, وقد يشدِّد الشرع في طريقة إثبات أمرٍ ما بطريق الشهادة, كما في إثبات جريمة الزنا, إذ لا بد من شهادة أربعة رجال! وأن تكون شهادتهم دقيقة في وصف ما شاهدوه, ولو نقص هذا العدد فلا تقبل شهادتهم! مع أنَّ الجريمة قد تكون متحققة في الواقع! ومن حِكَم ذلك أنَّ جريمة الزنا لها تداعيات خطيرة على طرفيها أو أطرافها, كما أنَّ الشارع الحكيم, يتطلع إلى المحافظة على المجتمع ومنع إشاعة الفاحشة, وليس إلى إيقاع العقوبة لمجرد إيقاعها.

النقطة الخامسة: مما ينبغي الالتفات إليه هنا, أنَّ العلم الحديث كشف عن جانب علمي ربما كان له صلة بالمعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل" الذي رواه مسلم؛ فقد نشرت مجلة العلوم الأمريكية (Scientific American) عدد 5 مايو 1994م دراسة للباحثة في الأسس العصبية والهرمونية: دورين كيمورا, تحت عنوان: (الفوارق في الدماغ بين الزوجين), تؤكِّد فيه وجود فروق بين الجنسين في الدماغ, منها ما يتعلق بالكيفية التي يحل بها كل منهما المشكلات الفكرية, وتثبت أن هذه الفروق لا ترجع إلى مجرد النقص في الخبرة لدى النساء فقط, لأنَّ الدلائل تشير إلى أنَّ آثار الهرمونات الجنسية في التنظيم الدماغي تحدث في مرحلة مبكرة من الحياة, وأن الدراسات السلوكية والعصبية والهرمونية أوضحت العمليات المؤدية إلى حدوث الفوارق في الدماغ بين الجنسين وأنّ الفوارق الجوهرية تكمن في الطرز المختلفة للمهارات الفكرية التي يتمتع بها كل منهما.

وعلى كل حال, فنقص عقل المرأة يظهر في الحالات التي تغلب عاطفتُها عقلَها في كثير من الأحيان, وتحدث لها هذه الحالة أكثر مما يحدث عند الرجل ولا يُنكر هذا إلا مكابر.

ومن خلال هذا التفنيد المختصر لهذا التلبيس تتبيّن لنا عظمة التشريع الإسلامي, وفلسفته, فالمشرِّع هو الله الحكيم الخبير, و هو الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى, وهو العالم بما يصلح كلاً منهما, وحقّ لنا أن نردِّد مرّة أخرى: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ]الملك: 14[.


المادة كاملة في المرفقات ..

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك