جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
حوار وتحقيق
مصلحة المحضون في التشريع الإسلامي
  :  7/1/2013

وثيقة عقد الزواج هي ذلك الرباط المقدس الذي يجمع بين الزوج والزوجة على أساس من المودة والرحمة والسكينة؛ لقوله تعالى: {ومن آياته أنْ خَلَق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون} [الروم: 21]، ومع هذا قد يتمزق هذا الميثاق وينقطع رباط كل من المودة والرحمة بين الزوجين حتى يصبح الطلاق نهاية حتمية للخروج من أزمات حقيقية بينهما وحلاً نهائيًّا لمشاكلهما في زمن بات الصلح أمرًا عسيرًا بين الطرفين المتنازعين؛ لقوله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كل من سعته وكان الله واسعاً حكيماً} [النساء:130]. 

 

أطفال فقدوا الحق في الحياة:

ومع ذلك فإن انتهاء هذه المشاكل كثيراً ما يكون غير مرهون بالطلاق، بل قد يكون الطلاق بداية حقيقية لمشاكل أكثر تعقيداً، ويؤكد ذلك ما تطالعنا به الأخبار حول الكثير من حوادث العنف والتعذيب والإيذاء ضد الأطفال المطلقات أمهاتهم في المملكة العربية السعودية، وغيرها من الدول العربية، وهي حوادث وثيقة الصلة بقضايا الحضانة، ومحاولة انتزاعها من الأم لأي سبب كان، دون أدنى اهتمام بمصلحة المحضون، كحوادث خطف الأطفال أو الامتناع عن دفع النفقة؛ لإجبار الأم على التنازل عن حقها في حضانة الأطفال، ولا تتوقف الحوادث عند هذا الحد، بل كثيراً ما تشتد بعد انتزاع الحضانة من الأم، وانتقالها إلى الأب، ومن هذه الحوادث ما تعرضت له الطفلة "أريج" ذات الثماني سنوات، والتي انتزعها والدها من حضن أمها بحكم من القاضي وأخذ يضربها ويعذّبها ويشعل النيران في جسدها الضعيف الذي أبى إلا أن يفارق الحياة؛ لعدم تحمله كل هذا القدر من التعذيب، وكذلك الطفلة "غصون" التي لم تتجاوز العشر سنوات، ولاقت أشد أنواع العذاب على يد أبيها وزوجته بعد أن أخذها من طليقته بحكم شرعي، ومارس عليها أشد أنواع العذاب لشكّه في أنها ليست ابنته حتى أصيبت بكسر في الجمجمة وكسر في القفص الصدري مسببة نزيفاً حاداً، وبالتالي الوفاة، وبالتأكيد لم ننسى أيضاً الطفلة "كلثوم"، والطفلة "لمي" وغيرهن الكثير ممن لاقوا مصيرهن وممن في انتظار نفس المصير، فكل هؤلاء الضحايا ذقن أشد أنواع التعذيب تحت ظروف واحدة وإن اختلف عامل الزمان والمكان.

هذه الحوادث تفتح المجال أمامنا لمناقشة العديد من التساؤلات، والتي يأتي على رأسها:

- لمن الحق في حضانة الأطفال بعد الطلاق؟

- وما هي شروط حضانة الأبناء؟

- ثم ما هي مسقطات الحق في الحضانة؟

- وما هو التأثير النفسي الواقع على الأطفال جراء الاختلاف على حضانة الأطفال؟

- ولماذا لا تراعى مصلحة المحضون وحقه في أحكام القضاء؟

 

حق الزوجة في الحضانة:

في البداية يؤكد دكتور محمد سعدي، أن الحضانة  أصلها في اللغة مصدر حضن، ومنه حضن الطائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحيه، وحضنت المرأة صبيها إذا جعلته في حضنها أو ربته، والحاضن هو الموكل بالصبي يحفظه ويربيه.

وفي اصطلاح الفقهاء هي حفظ من لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه.

والحضانة تعد مثالاً ممتازاً على مدى أهمية الشريعة الإسلامية بالطفل، فقد حافظت له على نسبه عند حصول طلاق أبويه، كما رتبت له من يعتني به ويتولى أموره، ويهيأ له البيئة المناسبة لنموه وتعليمه، ويكفل له مؤنته ويقوم برعايته، وكل هذه الأمور قد ذكرته الشريعة بالتفصيل حتى تحسم أي خلاف ينشأ فيها حتى لا يؤثر هذا على الطفل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ» الإمام أحمد في ( مسنده ) ( 4 / 126 ). 

والحضانة واجبة شرعاً، وهذا الوجوب قد يكون عينياً إذا لم يوجد إلا الحاضن، أو وُجد ولكن لم يقبل الصبي غيره، وقد يكون من فروض الكفاية، وذلك عند تعدد الحاضن. ودليلها ما رواه أبو داود في سننه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ ابني هَذَا كَانَ بطني لَهُ وِعَاءً وثديي لَهُ سِقَاءً وحجري لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طلقني وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّى فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تنكحي».

 

شروط الحق في الحضانة

ويواصل السعدي قائلاً: الحضانة تكون للنساء وللرجال بشروط، وإن كان الأليق أن تكون حق للنساء لقدرتهن على تربية الطفل ومعرفتهن بما يلزمه، ولكثرة شفقتهن عليه، وهناك شروط عامة فيمن يتولى الحضانة، وهناك شروط خاصة بالنساء، وأخرى خاصة بالرجال، فمن الشروط العامة عند أغلب الفقهاء: إسلام الحاضن، وذلك صوناً لدين الطفل وعدم تعرضه للفتنة، وذهب الحنفية إلى أن غير المسلمة لها الحق في حضانة طفلها في المدة التي لا يعقل فيها الأديان، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "أما غير المسلمة - كتابية كانت أو مجوسية - فهي كالمسلمة في ثبوت حق الحضانة ، قال الحنفية : ما لم يعقل المحضون الدين، أو يُخشى أن يألف الكفر فإنه حينئذ يُنزع منها، ويُضم إلى أناس من المسلمين، لكن عند المالكية إن خيف عليه فلا ينزع منها ، وإنما تضم الحاضنة لجيران مسلمين ليكونوا رقباء عليها".اهـ

 

 

ومن شروط الحضانة العامة: العقل والبلوغ، والأمانة في الدين، فالفاسق ليس أهلاً للحضانة لأنه سيفسد أخلاق المحضون ولا يصلحها، ومن الشروط القدرة على القيام بمصلحة المضحون، وأمن المكان الذي تكون فيه الحضانة، وأن يكون الحاضن سليماً من الأمراض المعدية.

والشروط الخاصة بالنساء: ألا تكون الحاضنة متزوجة من أجنبي من المحضون، وأن تكون الحاضنة ذات رحم محرم من المحضون، وألا تقيم الحاضنة بالمحضون في بيت من يبغض المحضون ويكرهه.

ومن الشروط الخاصة بالرجال: أن يكون محرماً للمحضون، وزاد المالكية أن يكون عند الرجل الحاضن من النساء من يصلح للحضانة والقيام بأمورها.

فإذا فُقد شرط من هذه الشروط، فلا حق لمن فقد فيه في الحضانة.

 وأيضاً من مسقطات الحضانة إرادة السفر بالمحضون عن مكان الحضانة.

 وقد اختلف الفقهاء في تحديد مدة الحضانة، فهناك من ذهب إلى أن مدة الحضانة للغلام هي وصوله إلى سبع سنين، وفي الأنثى حتى تصل إلى الحيض، وهناك من قدرها بتسع سنوات، وهذا مذهب الحنفية، وذهب الشافعية وتبعهم الحنابلة إلى أن الحضانة تستمر حتى سن التمييز فإذا ميز الصبي خُيِّر بين أبويه، فإن اختار أحدهما ذهب إليه، وإن اختارهما جميعاً قام القاضي بإجراء قرعة بينهما.

والمالكية جعلوا الحضانة حتى البلوغ  والظاهرية رأيهم مثل المالكية.

وإذا انتهت الحضانة خيَّر القاضي الطفل بين إقامته عند المحضون، أو انتقاله إلى الطرف الآخر فعن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى رسول الله وقالت له: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به.

 

حق المحضون أولاً

ويضيف دكتور محمد بأن مسائل الحضانة تنظّمها القوانين الملزمة للأطراف، إلا إذا تراضى الأطراف، وقبل ذلك يجب أن يعلم الجميع أن الحضانة أمانة، وأن الله أمرنا أن نؤدي الأمانة إلى أهلها، فمن كان مستحقاً للحضانة، ولكنه يعلم من نفسه أنه سيضيع المحضون أو يعرضه للخطر، وأن قيام الطرف الآخر بالحضانة سيكون أنفع للمحضون منه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن الضرر والإضرار، في قوله الذي صار قاعدة فقهية: (لا ضرر، ولا ضرار)، ومن حاز الحضانة عليه ألا يضارّ الطرفَ الآخر في التواصل مع المحضون، فللولد حق في رؤية والديه، فإن كان عند أحدهما فلا يمنع من التواصل مع الطرف الآخر، ولا يمنع من رؤيته حيث لا ضرر ولا ضرار.

والمسلمون إذا تنازعوا في أمر وجب عليهم أن يحكموا شريعتهم ففي شريعتنا حلول لأي مشكلة تطرأ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء/59].

 

حق الحضانة من الناحية القانونية

ويؤكد محمد عبد الرحيم، المستشار القانوني أن فترة الحضانة هي حق للزوجة مادام الأطفال في سن الحضانة، ولا خلاف على ذلك، وتختلف الحضانة من الولد للبنت، فالصبي تستمر فترة حضانته مدة سبع سنوات، وبعد ذلك تنتقل حضانته للأب حتى يكتسب صفة الرجال كما نص القانون، أما الفتاة فتظل في حضانة الأم مدة تسع سنوات وبعد ذلك تنتقل الحضانة للأب، وهناك ظروف قد تسمح للزوجة باستمرار الحضانة بعد هذا السن القانوني إذا كان هناك ما يعوق انتقال الحضانة للأب لأي ظروف اجتماعية أو نفسية لا تتفق والجو المناسب لحضانة الأبناء، ولكن الواقع الذي نعيشه غالباً لا يطبق ذلك؛ لأن القاضي ينظر في الأوراق المقدمة إليه وعمر الأطفال دون النظر إلى الخلفية الاجتماعية أو النفسية أو المادية عند انتقال فترة الحضانة من الزوجة إلى الزوج، ولهذا نسمع عن قضايا تعذيب الأطفال بعد انتزاع الحضانة من الأم.

ولأن القانون يضع أهمية المحضون في المقام الأول، فمن حق الحاضنة أن تسترد حق حضانة الأطفال إذا زال سبب سقوط الحضانة كما في حالة الشفاء بعد مرض ما أو الطلاق بعد الزواج من آخر.

ويتابع المستشار القانوني: خلال فترة حضانة الأم للأطفال يكون واجباً على الأب توفير مسكن صحي للحاضنة تقيم فيه مع الأبناء، ويتفق مع دخله العام، وقد يحكم لها القاضي بمبلغ مالي شهرياً يسمح لها بإيجار مسكن بنفسها إذا رغبت في ذلك، وذلك حتى انتهاء فترة الحضانة القانونية، وبعد ذلك إما أن يتوقف المبلغ أو يسترد الزوج مسكنه.

 

عندما يدفع أطفالنا الثمن

ولأنه لا يمكننا إنهاء هذا التحقيق دون مناقشة النواحي النفسية للأطفال الذين هم أساس قضية الحضانة، تحدثنا إلى دكتور عمرو أبو خليل، اخصائي الطب النفسي، والذي أكد بدوره أنه في حالة نجاح الزوجين المنفصلين في إدارة أمور حياتهما حقاً، فإن إدارة علاقتهما مع الأولاد ستكون ناجحة بالطبع، ولكن المعتاد والسائد هو الخلافات والصراعات والحرب التي غالباً ما يدفع الأطفال ثمنها، دون النظر لمن له الحق فعلياً في الحضانة ودون النظر لحق المحضون الذي أولته الشريعة والنصوص القانونية الاهتمام الكامل، حيث يسعى كل طرف لكسر صورة الطرف الآخر؛ اعتقاداً منه أن ذلك في صالحه ووسيلة لكسب الأطفال في صفه.

ويواصل أبو خليل فيقول:  إلا أن العكس هو الصحيح حيث يفقد الأبناء احترامهم لكلا الطرفين وبالتالي عدم الاستقرار وعدم الثقة في مجتمع تحطمت فيه صورة أهم نموذجين في الحياة كما يفقد الأبناء الثقة في أنفسهم ويصبحوا أطفالاً غير أسوياء معرضين لحدوث الكثير من الأزمات، وقد يحدث العكس بأن ينكسروا نفسياً ويفضلوا العزلة عن مجتمع ظلمهم كثيراً.

ويأسف أبو خليل لأن القاضي في بلادنا -على حد قوله - يحكم للحاضن بناء على مجموعة من الأوراق دون اللجوء إلى هيئة من المستشارين الاجتماعيين والنفسيين للوقوف على حالة الحاضن وأحقيته بالحضانة ودون الاهتمام بالتهيئة النفسية للأطفال قبل الانتقال من طرف إلى آخر؛ حتى لا يحدث لهم حالة من الخلخلة النفسية.

ويختم أبو خليل كلامه قائلاً: هذه الهيئة هي نظام مطبق في دول العالم المتقدم لأنهم فقط يحترمون ويقدرون الجانب الإنساني قبل أي أوراق مقدمة على عكس ما نعيشه نحن في عالمنا العربي والإسلامي.

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك