جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
حوار وتحقيق
أناوكافل اليتيم كهاتين
  :  5/19/2013

أكد الأستاذ فتحي محمد السروية - الباحث بمجمع الفقه الإسلامي بجدة – أن اليتيم له شأن عظيم في الإسلام، وأنه لم يُكرم في دين من الأديان، ولا في ملة من الملل كما كُرِّم في الإسلام، ودليل ذلك أن الله تعالى ذكره في القرآن الكريم تسع عشرة مرة، منها اثنا عشر مرة بلفظ (الأيتام)، وخمس مرات بلفظ (اليتيم)، ومرتين بلفظ (يتامى) ، وقد خص الله تعالى النساء اليتيمات مرتين ضمن هذه المرات التسع عشر، وما هذا إلا لاهتمام الإسلام باليتيم عموما، والنساء اليتيمات على وجه الخصوص.

ونذكر من هذه الآيات على سبيل المثال، قوله الله تعالى: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» [ الْبَقَرَةِ : 215].

وقوله جل شأنه: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [ الْأَنْعَامِ : 152].

وأضاف – قائلا -: كذلك اهتمت السنة النبوية المطهرة اهتماما بالغا باليتيم، وتحدثت في كل شيء يتعلق بأحكامه وبحقوقه وبالولاية عليه في أحاديث كثيرة جدا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مارواه البخاري في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».

وكذا ما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

فاليتيم حالة من أخص وأهم الحالات التي اهتم بها ديننا الإسلامي الحنيف، وتحدث عنه بشمولية، وهذا الموضوع المهم كان محور حواري مع الأستاذ فتحي السروية، وهاكم نص الحوار.

 بداية: نود أن نتعرف من فضيلتكم معنى كلمة اليتيم في اللغة والاصطلاح.

اليتم لغة: جاء في القاموس المحيط: اليُتْمُ بالضم: الانْفِرادُ.

أما في الاصطلاح: فهو من مات أبوه وهو دون سن الاحتلام، ومن البهائم من ماتت أمه.

ما هي أهم حقوق اليتيم التي كفلها له الدين الإسلامي؟

اهتم الدين الإسلامي – كما ذكرت آنفا – اهتمام بالغا باليتيم، وقد حدد الإسلام حدودا ورسم رسوما لحقوق اليتامى، فحقوق اليتامى كثيرة جدا، وسأذكر بعضها على سبيل المثال منعا للإطالة، فمن هذه الحقوق:

1 – حرمة أكل مال اليتيم بالباطل: قال تعالى في هذا الشأن: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» [ النِّسَاءِ : 10] فانظر إلى عقاب الذي يأكل مال اليتيم بالظلم، عقابه فظيع ومهين، وهو جهنم وبئس المصير، فهذا ردع من الله تعالى وتحذير لئلا يأكل أي أحد كان مال اليتيم ظلما.

2 – حق الإحسان والإكرام وعدم الدفع والزجر: قال الله تعالى في هذا الشأن: « كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ » [ الْفَجْرِ : 17] وقال عز من قائل: «فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ» [ الْمَاعُونَ : 2] وفي الآيتين الكريمتين دعوة واضحة وصريحة إلى عدم زجر اليتم وعدم دفعه بالأبواب، وكذا فيهما حث وإرشاد للإحسان إليه والعطف عليه وإكرامه.

3 – حق الطعام: قال تعالى في سورة الإنسان: « وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا » [ الْإِنْسَانِ : 8] ، وفي هذا تحفيز لجميع المسلمين أن يطعموا الطعام، وأن يبذلوا طعامهم لمن يحتاجوه، ومن هؤلاء اليتيم المحتاج، الذي ليس له من يرعاه.

هذه أمثلة من حقوق اليتيم وهناك حقوق أخرى كثيرة، ولا يسعنا الحصر في هذا الحوار المختصر، ولكن هناك حديث للنبي صلى الله عليه وسلم جميل جدا أخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» .

وعندما شرح السندي هذا الحديث قال:

قَوْله (إِنِّي أُحَرِّج) بِالْحَاءِ الْمُهْلَة مِنْ التَّحْرِيج أَوْ الْإِحْرَاج أَيْ أُضَيِّق عَلَى النَّاس فِي تَضْيِيع حَقّهمَا، وَأُشَدِّد عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ.

 ما معنى ولاية اليتيم، ومن هو أولى الناس بولايته؟

أولا: الولاية في اللغة: جاء في المعجم الوسيط: وَلِيَ الشيءَ وِلاية: ملك أمره وقام به.

فالولاية معناه القيام بأمر ما لشخص ما، إما بتوكيل أوغيره، هذا في العموم، أما ولاية اليتيم فهي: قيام شخص كبير راشد عاقل بتدبير شئون اليتيم الخاصة من تربية وزواج ووتعليم وغير ذلك، وكذا الحفاظ على ممتلكاته، وتنميتها له بالشكل الذي دعا إليه الإسلام.

وأحق الناس بولاية اليتيم: هو الوصي الذي أوصى له أبو اليتيم قبل موته، وإن لم يوجد وصي فأولى رجل ذكر من أقاربه، من جد وغيره.

 ما هي أهم شروط وأحكام الولاية على اليتيم؟

نعم، هناك أحكام كثيرة تتعلق بالولاية على اليتيم نذكر منها:

أولا: - الأكل من مال اليتيم:

يقول الله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا» [ النِّسَاءِ : 6]

فالولي إن كان فقيرا أكل من مال اليتيم ولكن بالمعروف، وبقدر الحاجة، ولا يسرف فيه ولا يبذر.

وقد جاء في سنن النسائي، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِي يَتِيمٌ، قَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَاذِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ».

فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى الأخذ من مال اليتيم دون أن يبذر، ودون أن يأخذ من مال اليتيم أصل مال له.

ثانيا: النفقة على اليتيم:

لا بد أن ينفق الولي على اليتم حسب قدرته واستطاعته، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكذا لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، فالولي مطالب بالإنفاق على الصغير حسب استطاعته، دون تبذير أو تقتير، فقد قال تعالى: « وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا» [ النِّسَاءِ : 5].

فالولي ينفق على قدر حاله، فإن كان غنيا موسعا عليه يجب عليه أن يوسع على اليتيم، وإن كان فقيرا فبقدر حاله.

ثالثا: تنمية مال اليتيم:

يجب على ولي اليتيم أن يعمل في ماله بحيث ينميه له ويزيده، ولا يتركه تأكله الصدقة كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه الترمذي عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ»

قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي عقب هذا الحديث: وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ فَرَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةً مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ،وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ.

هذه أهم الأحكام التي تجب علي الولي تجاه اليتيم.

 ما هي نصيحتكم من يتولى أمر يتيم من الأيتام؟

أنصح كل من تولى أمر يتيم أو يتيمة أن يتقي الله تعالى في تربيته تربية حسنة، وأن يحسن إليه وأن يعطف عليه؛ لأنه اليوم يتولى أمر يتيم فغدا قد يتولى أمر ابنه إنسان آخر.

فالولي له جزاء كبير عند اله تعالى، فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم  - كما ذكرت في المقدمة - فيما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

وكفى بهذا الوعد لولي اليتيم، فهذا باب من أبواب الجنة مفتوح لك أيها الولي، فكن حريصا عليه ولا تضيعه بتضييع من ولاك الله عليه.

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك