جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
حوار وتحقيق
واليتيمة أولى
  :  5/12/2013

اليتيم من الفئات المستضعفة في المجتمعات، والتي قد تضيع إذ لم تجد الرعاية والاهتمام، فتكون ضحية لهمجية أخلاقية، أو طبقية مجتمعية، أو أعراف ظالمة ولذلك لم يترك الإسلام الأيتام، دون سياج من التشريعات التي تكفل لهم نشأة سليمة وحياة طيبة، وهذا ما جاء جليا في آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية المطهرة التي أوصت باليتيم وإكرامه، وحسن رعايته، وصاغت له الكثير من الحقوق التي على كافله أن يؤديها له كاملة.

وقد كفل الإسلام لليتيم العديد من الحقوق، التي تغطي جوانب حياته الشخصية والاجتماعية، فكفل له حقوقاً عقدية وتربوية، وحقوقاً مالية، وحقوقاً نفسية .... إلى غير ذلك من الحقوق، التي يتمتع بها أقرانه من غير الأيتام، حتى ينشأ ويشب سويا في مجتمع أحسن أفراده إليه عندما كان في حاجة إلى عونهم .

وإذا كان اليتيم يتسم بالوهن نظراً لظروف يتمه، فإنه يزاد وهنا على وهنه، عندما يكون هذا اليتيم أنثى، فكما أن البنت تحتاج إلى معاملة، ورعاية خاصة، فإنها تحتاج إلى رعاية أكثر عندما تكون يتيمة.

وللأسف الشديد تتعرض البنات اليتيمات في الكثير من مجتمعاتنا، لمشكلات ومضايقات أكثر من غيرها، فهي عرضة للامتهان والابتذال، وكثيرا ما ينظر إليها على أنها فريسة سهلة، أو ينظر إليها على أنها غير مرغوب في وجودها في حياة كافلها، سواء الأم، أو من يكفلها بعد الأم، من ذوي محارمها، أو غيرهم.

وهذه المشكلات ترجع في أساسها إلى غياب الفهم للمقاصد الشرعية التي رمت إلى تحقيقها الشريعة الإسلامية، من وراء الوصاية والاهتمام بالأيتام عامة واليتيمة خاصة، جهلاً، أو جحوداً ونكراناً .

وقام موقع " وفاء لحقوق المرأة " بمناقشة وبيان هذه الأحكام، مع عدد من المختصين والمهتمين بهذا الشأن.

في البداية يوضح الباحث الإسلامي الدكتور محمد علي أن الولاية على اليتيمة، لا تختلف في أحكامها وقواعدها الشرعية، عن ولاية الأيتام الذكور، إلا من حيث الأحكام الشرعية التي تخص البنت بعد البلوغ. وعلاقاتها بغير محارمها، وفيما عدا ذلك لم أجد من الفقهاء من فرق في أحكام الولاية على اليتيم، بناء على الجنس ذكوراً، وإناثاً.

ويوضح الدكتور الهيثم زعفان – رئيس مركز الاستقامة للدراسات الإستراتيجية- ما يقع على كافل اليتيمة من مسئوليته أمام الله سبحانه وتعالى، ثم أمام المجتمع عن تربيتها عقدياً وتنشئتها التنشئة الدينية السليمة، البعيدة عن الزيغ والانحراف، فعليه أن يعلمها أمور دينها، يُحفظها القرآن والسنة النبوية المطهرة، وللأسف الشديد هناك قصور في هذا الجانب، حيث يُهمل في غالبية الأحيان من جانب الكفلاء، مع توجيه جهدهم إلى إشباع حاجات اليتيمة المادية ، من مأكل ومسكن ومشرب، وهذا الجانب تنبه إليه النصارى واليهود في تربية أبنائهم على عقائدهم، في كنائسهم ومعابدهم، وبرعوا فيه، نظراً لخطورته في حياة الطفل، وهم على باطل، والأجدر بنا ونحن أصحاب الدين الحق، والمنهج القويم، أن نجعله في مقدمة اهتماماتنا مع الأيتام.

فعلى الكافل أن يتنبه جيدا لهذا الجانب، الذي يقوم عليه السعادة في الدارين، فيوفر لليتيمة المعلمات الشرعيات، ويدفع بها إلى حلقات العلم الشرعي، لتحصل قدر استطاعتها من علوم الدين.

والأمر هنا لا يتوقف عند حد التعليم الشرعي ما فيه من شرف، بل يمتد أيضا إلى التعليم العام الذي قد تميل إليه اليتيمة، علاوة على تأديبها وتهذيبها، وتعوديها على ما ينسابها من عادات وسلوكيات وأخلاقيات تساعدها على الاندماج والعيش بسلام واطمئنان في المجتمع، كفتاة، وكزوجة، وأم في المستقبل.

ويتوقف الدكتور عادل عبد الفضيل – الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف- عند موضوع الولاية على مال اليتيمة، فلأن اليتيمة تكون صغيرة ضعيفة، أو قاصرة لم تبلغ بعد السن الشرعية والقانونية التي تمكنها من التصرف بحرية في مالها، فقد حذر الشرع من الاعتداء على مال اليتيم وأخذه بدون وجه حق ، ظلماً وعدواناً، أو بتبذيره وعدم صيانته، ومنع خيره عن اليتيمة.

قال تعالى: "وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً" (النساء:2)

"إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" (النساء:10)

"وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً"(الإسراء:34)

"وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الأنعام:152)

 

والمتأمل في هذه الآيات يعرف عظم حق مال اليتيم عند الله، وأنظر إلى آية الأنعام فالله سبحانه وتعالى شدد في أمر مال اليتيم حتى ولو بمجرد الهم أو التفكير.

والنبي صلى الله عليه وسلم، عد أكل مال اليتيم والاعتداء عليه من السبع الموبقات المهلكات، الموجبات لدخول جهنم،والعياذ بالله.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد وفقط، بل تعداه إلى ضرورة الاتجار في مال اليتيمة إذا كان هناك فائض عن نفقاتها وحاجاتها، حتى لا تضييع أموالها في إشباع حاجاتها، أو تأكلها الزكوات، وعندما تنفد هذه الأموال تتغير أحوالها، أو تمد يدها للآخرين.

فكما عند مالك - رحمه الله -  في موطأه ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قال: " أتجرؤ في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة"

ويرى الدكتور سيد حمدان – الداعية الإسلامي – عضو هيئة كبار العلماء– أن كافل اليتيمة يجب أن ينزلها منزلة أبنته، طالما لم تبلغ، أو كان هو من محارمها، وأن يراعي متطلبات حياتها النفسية، من مداعبة وملاطفة وملاعبة، حتى لا تشعر أنها مختلفة عمن هن في سنها، وفي رأيي أن هذه مسألة أهم من الطعام والشراب، فيجب أن يصطحبها معه في زياراته، وفسحه ورحلاته، وتنزهانه، يزورها مثلاً في دور حضانتها، أو مدرستها، يشعرها بالاهتمام، يتفقد حالها، يسأل عما يسعدها فيكثر منه، أو ما قد يزعجها، أو يسبب لها الضيق والحزن، فيعمل على تفريجه وتذليله.

وروى البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما"

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" الساعي على الأرملة واليتيم والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، الصائم نهاره، القائم ليله"

ولتعلم منزلة كفالة اليتيم عند الله أنظر إلى ما جاء في سورة الكهف، بشأن ذكر حال اليتيمين، اللذين أرسل الله رسوله موسي عليه السلام وعبده الصالح الخضر ليحفظا لهما مالهما.

قال تعالى: "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً" (الكهف:82)

وهذه القصة وإن كان في ظاهرها، المحافظة على أموال الأيتام، إلا أنها لا تقف عند هذه النقطة فقط، بل بها الفوائد الكثيرة، التي خرجها أهل التفسير، وأئمته والتي تتعلق بشأن كفالة ورعاية الأيتام والرحمة بهم.فالمجتمع كله مسئول عن هذه الفئة الضعيفة.

وختاماً يعرض "موقع وفاء لحقوق المرأة" تلخيصا لتوصيات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت 20من شعبان1415هـ 21/1/1995م، والذي يتعلق بمسئولية الأولياء والأوصياء، عمن تحت ولايتهم، ووصايتهم. لما فيه من الفائدة والشمول للموضوع الذي نحن بصدده.

القسم الأول:  مسئولية الولي أو الوصي نحو القُصّر، فيما يتعلق بتربيتهم وتوجيههم دينيا بما يحقق الاستقامة والصلاح.

 وهذا الواجب هو المعبر عنه فقهًا بالولاية بنوعيها                          : 

 )أ) الولاية على النفس: من تعليم، وتأديب، وتطبيب، وتزويج، وتعلم حرفة، أو صنعة، ونحو ذلك.   )ب) والولاية على المال: بالحفاظ على أموال القصّر والأيتام، وتنميتها بالطرق المشروعة، حتى يؤنس منه الرشد، فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته، ولا يسلم له ماله، حتى يبلغ ويثبت رشده، عملاً  قول الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) ( سورة النساء)

القسم الثاني: وهو المسئول عن أفعال القاصرين ونحوهم، وما ينشأ عنها من إضرار بالآخرين، وهذه مسئولية مالية، تدخل في اختصاص القضاء

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك