جديد الإستشارات
محاور وفاء
أخترنا لكم
حقوقيات مرئية
التقارير
الولاية على اليتيمة
  :  5/8/2013

شُرعت الولايةُ على اليتيمة في الإسلام؛ حمايةً لنفسها، ورعايةً لمالها، وحفاظًا على متاعها، ونظرًا في مصالحها، وتلبيةً لرغباتها، واكتسابًا لحقوقها، وإن كان هناك من يصور هذه الولاية على أنها نوع من الاستعباد لليتيمة، أو نوع من التدخل في شؤونها، وأنها تحط من أهليتها، وتعامل المرأة على أنها سفيهة، إلى غير ذلك من أوصاف تغاير الحقيقة جملة وتفصيلا التي من أجلها كانت هذه الولاية!.

والآيات الواردة في القرآن الكريم عن اليتامى أكثر من أن تحصى؛ فتارة يذكر الله سبحانه وتعالى أن الإحسان إلى اليتامى أحد صور البر الواردة في آية البر بسورة البقرة: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) البقرة: 177.

وتارة أخرى يأمر الله عز وجل بالإحسان إلى اليتامى وإصلاح أحوالهم كما في الآية الكريمة: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة: 220.

وتارة ثالثة يحذر الله تبارك وتعالى من أكل أموالهم وظلمهم كما في قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) النساء: 2.

وتارة رابعة ينعي القرآن على من لم يكرم اليتيم كما في قوله تعالى: (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) الفجر:17.

وتارة خامسة يحثنا القرآن على إكرام اليتيم من خلال الترغيب في ذلك بذكر جزاء هذا الإكرام في الآخرة؛ حيث قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) الإنسان: 5-12.

شروط الولي:

وهذا قليل من كثير مما ورد في شأن اليتيم بصورة عامة ذكرًا كان أو أنثى في القرآن الكريم، وإضافة إلى ذلك أعطى الله تبارك وتعالى لليتيمة حقها عندما خصها بالذكر في كتابه العزيز، فقال عز من قائل: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) النساء: 127.

قالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)، يَعْنِي هي رغبةُ أحدِكُم لِيتيمتهِ التي تَكونُ في حِجرهِ حينَ تَكونُ قليلةَ المالِ والجمالِ، فنُهُوا أن يَنكحوا ما رَغِبُوا في مَالِهَا مِنْ يَتَامَى النساءِ إلا بالقسطِ من أجلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ" رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.

وقد ذهب جمهور العلماء -منهم مالك والثوري والليث والشافعي- إلى أن الأولياء في الزواج هم العصبة، وليس للخال ولا للإخوة لأم، ولا لولد الأم، ولا لأي من ذوي الأرحام ولاية، وعند أبي حنيفة أن لغير العصبة من الأقارب ولاية التزويج.

والولاية لا تعطي للولي الحرية المطلقة في استخدام ولايته كما يتصور البعض، لا سيما عندما تبلغ اليتيمة مبلغ النساء، ويطرق الباب من يريد بها الزواج؛ فليس للولي حينئذ أن يفعل ما يتعارض مع مصالحها، وليس له كذلك أن يتحكم أو يتعسف في اتخاذ القرارات دون سبب مقبول أو عذر يخول له ذلك ويسوغه، ومن تعدى من الأولياء وظلم وبغى وطغى وتجبر انتقلت الولاية من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد، وإذا ما كان الظلم واقعًا من الأولياء جميعهم الأقرب منهم والأبعد، انتقلت الولاية إلى السلطان القاضي مباشرة؛ لأن عضل النساء ظلم، وولاية رفع الظلم إلى القاضي، ويمكنك أن تستزيد في هذا الأمر بمعرفة الأحكام والمسائل المترتبة على عضل الولي في كتب الفقه المختلفة والتي تؤكد على أن الولاية على اليتيمة شرعت من أجل أن تصب في مصلحتها أولا وأخيرًا.

أحكام شرعية:

واليتيمة هي من فقدت أباها في صغرها، ولا توصف من فقدت أمها دون أبيها باليتيمة، وقد تلقب المرأة باليتيمة بعد سن البلوغ كما في قوله تعالى: "وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ" النساء: 2؛ حيث يأخذ اليتامى ذكورًا وإناثًا أموالهم في سن رشدهم وبعد بلوغهم، وكما في الحديث النبوي الشريف: "تُستأمر اليتيمةُ في نفسها، فإن سكتتْ فهو إِذْنُها" رواه أحمد قي مسنده والنسائي وغيرهما، وهنا لقب النبي صلى الله عليه وسلم البكر البالغة باليتيمة لفظًا باعتبار ما كان، وليس باعتبار استمرار اليتم في معناه الحقيقي؛ فقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حفظتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد احتلام" رواه أبو داود بسند صحيح.

وولي اليتيمة يحمل على عاتقيه أمانة عظيمة، وهي حقوق هذه اليتيمة التي يتولى أمرها، وعليه أن يعمل جاهدًا على حفظ تلك الأمانة؛ فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ مِنْ مالِ يتيمك غيرَ مسرفٍ، ولا مُباذرٍ، ولا مُتَأَثِّلٍ" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند صحيح.

وهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح أنه ليس لولي اليتيمة أن يأخذ من مالها إلا في الضرورات التي تدفعه إلى ذلك دفعًا؛ لأن القاعدة في الشريعة الإسلامية أن الضرورات تبيح المحظورات، ويُفهم من ذلك أن الاقتراب من مال اليتيمة محظور لولا الضرورة التي دعت إلى ذلك من غير إسراف ولا تبذير ومن غير تأثيل؛ أي من غير أن نتخذ منه أصلَ مالٍ للتجارة ونحو ذلك، ويفهم من هذا أننا نأخذ حال الضرورات ما يسد الرمق وليس الكفاية؛ خوفًا من الوقوع في المغالاة والإسراف أو المبالغة غير المقبولة في أموال اليتامى، وبهذا يكون الاقتراب من مال اليتيم فضلا عن اليتيمة بالتي هي أحسن، كما أشار الله تبارك تعالى إلى هذا بقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الإسراء: 34، ومن خالف هذه التوجيهات يوشك أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم وعنهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء: 10.

والنبي صلى الله عليه وسلم يُحَرِّجُ حق الضعيفين اليتيم والمرأة؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم إني أُحَرِّجُ حق الضعيفين اليتيم والمرأة" رواه أحمد وابن ماجه بسند صحيح، فما بالنا إذا تحقق اليتم في المرأة، وفي هذا إشارة إلى ولي اليتيمة بالإحسان إليها والحرص كل الحرص على عدم تضييع حقها.

ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقالته الشهيرة: "إني أنزلتُ نفسي من مالِ الله بمنزلةِ وَلِيِّ اليتيمِ؛ إن استغنيتُ استعففتُ، وإن احتجتُ أخذتُ منه بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيتُ".

ويتضح لك أن الأمر جد خطير، وأنه من الأهمية بمكان عندما تعلم أن الله تبارك وتعالى خاطب في القرآن الكريم ولي اليتيم بصورة مباشرة في قوله تعالى: "وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ" النساء: 6.

قال ابن الجوزي رحمه الله في هذه الآية نقلا عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير): "في الأكل بالمعروف أربعة أقوال: أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن جبير وأبي العالية وعبيدة وأبي وائل ومجاهد ومقاتل، والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف، وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة وعطاء والنخعي وقتادة والسدي، والثالث: أنه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا، رُوي عن ابن عباس وعائشة، والرابع: أنه الأخذ عند الضرورة، فإن أيسر قضاه، وإن لم يوسر فهو في حل، وهذا قول الشعبي".

وأكثر من ذلك أن ولي اليتيمة لا يراعي أثناء ولايته على اليتيمة العدل في الأمور المادية فحسب من الحفاظ على أموالها ومراعاة حقها في الزواج الذي يجلب لها الخير والنفع وغير ذلك، وإنما أبعد من ذلك عندما يخاف عليها من كل ما يؤلمها نفسيًّا، ويقلقها معنويًّا، وكل ما يؤدي بها إلى لا يرضاه لنفسه من أي ضرر مادي أو معنوي؛ فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا موقفًا لأم سُليم رضي الله عنها فيه من الرحمة والرأفة على اليتيمة ما فيه، عندما أخبرتها اليتيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليها ألا يكبر سنها، فقال رضي الله عنه: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس –يعني بأم أنس أم سليم وليست اليتيمة- فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة، فقال: "آنتِ هِيَهْ؟ لقد كَبِرْتِ، لا كَبِرَ سِنُّكِ"، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنيه؟ قالت الجارية: دعا عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يكبر سني أبدًا؛ فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت قرني –والقرن هو السن-، فخرجت أم سليم مستعجلة تَلُوثُ خمارها -أي تلف خمارها على رأسها- حتى لَقِيَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أم سليم؟" فقالت: يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: "وما ذاك يا أم سليم؟" قالت: زعمتْ أنك دعوت عليها ألا يكبر سنها ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "يا أم سليم، ألا تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" رواه مسلم.

انظر إلى لهفة أم سليم رضي الله عنها على يتيمتها، وتأمل خوفها الشديد عليها، وكأن هذه اليتيمة بمنزلة ابنتها التي حملتها كرهًا تسعة أشهر في عالم الأرحام، ووضعتها كرهًا؛ فهي تشعر بأحاسيسها ومشاعرها، وتفرح لفرحها، وتحزن لحزنها، وتتفاعل مع آلامها وآمالها، وهذه هي الروح التي ينبغي أن تسود في العلاقة بين ولي اليتيمة واليتيمة.

جهود سعودية:

ونحمد الله تبارك وتعالى أننا نرى في ربوع المملكة العربية السعودية الكثير من الجهات الحكومية والأهلية التي تقدم يد العون والمساعدة لليتيمات، وانتشار مثل هذه الجمعيات في المملكة من أقصاها إلى أقصاها لدليل على أن الخير سيبقى دائمًا وأبدًا في أمة النبي صلى الله عليه وسلم على مر العصور والأزمان؛ طلبًا للأجر، وطمعًا فيما عند الله من الثواب الجزيل؛ وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم :"أنا وكافل اليتيم  في الجنة كهاتين وأشارَ بأصبُعَيْهِ يعني : السَّبَّابةَ والوسطى ".

والنبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث وغيره يلفت انتباهنا وأنظارنا بتقديم ذكر اليتيمة على اليتيم؛ تأكيدًا للإحسان إليها وإكرامها وصيانة حقوقها، فما أحوجنا إلى ما أعده الله تبارك وتعالى لمن رعى حق اليتيمة في ولايته عليها؛ فهذا باب عظيم للبركات، بداخله نهر من الحسنات، نهايته جنة رب الأرض والسماوات؛ فهلا طرقنا باب البركات، واغترفنا من نهر الحسنات؛ لننعم بجنة خالق البريات، وبجوارِ من أرسلة الله تعالى رحمةً لجميع المخلوقات، فنكون منه بمنزلة أصبع الوسطى من الأصابع السَّبَّاحَات.

التعليقات على الموضوع
اضف تعليقك